
1939 - 2006
مارد الزنزلخت
حنان محفوظ ابو حبيبالى عصام محفوظ أخي عصام: وكان الامتداد صغيراً في الظلام يمسح جبين الوقت وهو يركض الى الممرات... يحضن طفلتك "مرجعيون" *** انا... قدم واقفة وانت مارد الشرفة وقد لوى "الدرابزين" يده ليقطف حبوب الزنزلخت ويزين شعر ازهارها الليلكية. *** ثم حملك الوطواط الى العلية. وطبول الابواق ادخلت لك عصا الجنية.. ومع المزامير وترانيم المرج ركعت لبيروت الحورية. *** شاب الزمن واختفت الدعسات وخذلتك كل الطرقلم تكن مثلك تحلم بالعلية قبضة لحرية الزنزلخت.. المقاعد رشفت قهوة الرصيف وسقطت رموش ضحكاتك. آه... كم اتعبتك الدعسات! *** وحدك في الزمن تلف شرائط الحورية. أباً... أخاً... حبيباً ... وخذلتك تلك الحورية..فجمعت الحبيبات وكان الظلام يلف الممرات وعدت باكراً بسلام مارد الشرفة تغفو بحضن طفولة الشجر والازهار البرية وبيدك قبضة حبوب تزين بها شعر ازهار الزنزلخت الليلكية وخذلتك
من مواليد عام 1939 في جديدة مرجعيون – جنوب لبنان.
له في المسرح:
في النقد:
حوارات:
في السياسة:
في الشعر:
في القصة:
في الترجمة:
مــن لــغـــــــة الـكــــــتـــاب الـى لــغـــــة الـخــــشـــــبــــة
المــســـــرحـي الـــذي نـــســــي مـــســــرحــــه مــضــــــاءً
في استطاعة كل حرف يُكتب أن يختار تصيّره ورقة نعي تُعلَّق، أو ورقة تين تسقط، أو مرثاة. لكن المرثاة باتت لا تصح، في أيامنا هذه، إلا مع الذين يجعلون من لحظات رحيلهم "مناسبة" اضطرارية كي نعيد قراءتهم من جديد، والحزن عليهم من الأول: عصام محفوظ يؤلف لنا موته كما لو أنه يؤلف عملاً جديداً وأخيراً. جلطة دماغية كتبت الصحف، وكان الحريّ بنا أن نبحث ونفتش في كتبه ومسرحياته عن جملة أو كلمة أو حرف يُكذّب ما قرأنا. عصام محفوظ، كم من أبناء الجيل الجديد يعرف هذا الاسم الذي وُضعت بعض أعماله بين أفضل إبداعات المسرح العربي، ولِمَ لا العالمي؟ عصام محفوظ في ذمة الحروف أولاً... والباقي من التفاصيل إذاً.
أحد مؤسسي موجة الحداثة، والواضع أولى لبناتها التي طاولت المسرح اللبناني في أكثر من مطرح. بدأ نضاله المسرحي منذ أوائل الستينات مؤسساً مسرحاً لبنانياً حديثاً، مواكباً ومتأثراً بالحركة المسرحية الغربية، وأوجد أفقاً جديداً له، هو أفق الاستفادة القصوى من انتصارات المسرح العالمي، واتجاه نبذ آخر آثار الدراما البورجوازية وصالوناتها التي تُسقط عنها حائطها الرابع، على ما رأى نزار مروة. فمنذ مسرحيته الأولى، "الزنزلخت"، استطاع أن يقوم بتجربة المؤلف الحديث في المسرح اللبناني، الأمر الذي منح الحركة المسرحية الوليدة ثقلها الضروري.
لقد أرّخت "الزنزلخت" لولادة المسرح اللبناني الحديث، حيث استخدم فيها المؤلف حواراً بسيطاً طالعاً من صميم اللغة المحكية اللبنانية في جوها وأمثالها، وهذا منح النص مضموناً محلياً سواء في التعبير أو في المسلك، بحسب شكيب خوري، من دون أن يحرم سعدون، بطل المسرحية، من المشاركة في القلق الكوني.
في كتاب "المسرح السياسي في لبنان" الصادر بالفرنسية العام 1974، اعتبر غسان سلامة أن الانطباع الأول الذي يشرق في بالنا عن هذه المسرحية، المكتوبة في شاعرية آسرة، هو ما له علاقة بالمسرح البسيكولوجي. لأنها تمثل تمسرحاً حديثاً بطريقة وجودية لمأساة أوديب. لكن اعتراف أوديب عصام محفوظ هو اعتراف مجنون، في معنى من المعاني. فهذا المجنون يحدس أن ثمة وجوداً لسعادة ممكنة، ولشعور إنساني ما: الجنون النموذجي الذي ينتقل ببطل المسرحية من مجرد كونه قضية خاصة إلى فضاء القضايا العامة.
لذا، يصح في "الزنزلخت" أكثر من تفسير واحد، ربما لأنها قد كُتبت في العام 1963، ولم تُقدم حتى العام 1968، أي بعد الهزيمة، ما فتح المجال واسعاً للتأويلات التي تتناسب والوضع بعد الهزيمة.
في مسرحيته الثانية التي حملت عنوان "الديكتاتور"، كرّس عصام محفوظ المفهوم التقني الجديد، لغة وحواراً، عبر حوار ثنائي مشحون ومتوتر بين شخصين فقط في استطاعتهما حبسك طوال ساعتين: أبرع حوار ثنائي طويل النفس عرفه المسرح اللبناني شكلاً ومضموناً، على ما كتب كميل سعادة. أما في خصوص اللغة المسرحية الجديدة التي استخدمها محفوظ فإنه بالرغم من لبنانية التعبير ولبنانية الأمثال، وتالياً لبنانية اللغة، فقد قدّم المؤلف تركيباً متميزاً حرّك هذه اللغة، معيداً خلقها من جديد.
أسس عصام محفوظ، والذي هو أحد أركان مجلة "شعر"، لمشروع أسلوب يساعد في تأسيس لغة بديلة، كمشروع مرحلي يحمل اسم: الفصحى الشعبية. فقد كان معارضاً لكل "الثياب القديمة"، الأخلاقية منها واللغوية، التي تفصل المسرح عن صدمته الضرورية. ولذلك كتب ووزع بياناً حمل عنوان "بيان مسرحي رقم واحد"، بعد وقت قصير من تقديم مسرحية "الزنزلخت"، هذه المسرحية التي تم تصنيفها من أفضل إبداعات المسرح العالمي بين عامي 1966 و 1970. ومما جاء في هذا البيان: "لأننا نمر في فترة حرجة من تاريخ أمتنا، ولأننا في حاجة إلى شهداء، فلتكن اللغة الفصحى شهيدة المسرح المقدسة".
وفي ذلك يروي محفوظ أنه، أثناء المؤتمر المنعقد على هامش "مهرجان دمشق الثاني للفنون" في العام 1970، وهو المؤتمر الأول لبحث قضايا المسرح العربي المعاصر، اصطدم بوزير الثقافة السوري فوزي الكيالي، الذي أراد أن يفرض اللغة الفصحى على المسرح المشارك في المهرجان بحجة أن الاعتراف بالعامية وتشجيعها هما "خيانة" على الصعيد القومي تساعد في تعطيل مشروع الوحدة العربية.
لكن عصام محفوظ اعتبر أن طرح مسألة العقبات التي تواجه المشروع الوحدوي العربي هو طرح خاطئ في أساسه، لأن مراجعة صغيرة لتاريخ الأقطار العربية قبل "التجزئة الاستعمارية" - حين كانت هذه الأقطار تحت الحكم العثماني - تؤكد لنا أن تلك الوحدة لم تمنع استفحال العاميات العربية المختلفة على لسان الرعايا العثمانيين من العرب. وفي المقابل، فإن تعدد لغات القوميات في الاتحاد السوفياتي سابقاً، لم يمنع إنشاء دولة اتحادية كبرى مع تعزيز اللغات المحلية رسمياً.
أكثر من ذلك، إن ازدواجية اللغة العربية، في رأي عصام محفوظ، لم تنشأ في عصور الانحطاط، ولا في ظل التجزئة الاستعمارية، إنما في أحضان العصر الذهبي للإمبراطورية العربية، يوم كانت بغداد حاضرة عالمية. لذلك صح القول إن النص المسرحي مع عصام محفوظ حقق نقلته النوعية حين هجر لغة الكتاب إلى لغة الخشبة.
للراحل الكبير أكثر من خمسة وعشرين كتاباً في التأليف والترجمة، نذكر منها في المسرح: "الزنزلخت"، و"الديكتاتور"، و"التعري"، و"ستيريو 70"، و"من قتل فرج الله الحلو"... وله في النقد مؤلفات عدة منها "مسرحي والمسرح"، الذي يتناول فيه التجربة المسرحية العربية الحديثة من خلال تجربته الشخصية في المسرح في الثلاثين سنة الفائتة، عبر مداخلات نظرية ونقدية ومقاطع من أحاديثه عن المسرح. إلى ذلك، للراحل مؤلفات فكرية وقصصية وحوارية: "عاشقات بيروت الستينات"، "حوار مع الملحدين في التراث"، والذي حاور فيه ثلاث شخصيات اشتهرت بتصديها للموضوع الديني، وهم: ابن الرواندي وأبو بكر الرازي وجابر بن حيان.
عصام محفوظ مفتتح الكتابة العربية الحديثة لخشبة المسرح في لبنان، ينسى أضواء مسرحه مضاءة، في هذه العتمة التي تطمس مجتمعاتنا العربية، ويرحل. هذه المجتمعات التي راقها، على ما يبدو، قَدَرُ أن تكون زنزلختاً.
ماهر شرف الدين
Annahar
ســــــــــــــــــراج
كان عندنا سراج، نشّف زيته امس، فانطفأ.
عصام محفوظ كان ضوءاً في عتمة، وحجر نرد على طاولة حظ.
بحث عن الحرية في كل مكان، في الشعر والنثر والمسرح، فلم يجدها الا في المال. وهو القائل "ان المال هو الحرية".
لم يعرف القرار، وكنا ملجأه في الليالي الكالحة.
واذا رنّ جرس الهاتف بعد منتصف الليل، هتف الكل: "هذا عصام".
وكان خفيفاً، نظيفاً. لم يلقِ عبئه على أحد. وحين عُرض عليه الموت البطيء في المستشفى، آثر الانطفاء في المنزل، بعد اصابته بنزف في الدماغ .
عصام محفوظ، عاش كطيف في قصيدة، وتوارى كبطل في مسرحية.
عصام محفوظ في عهدة "الموت الثاني"
فهو لم يمت لأنه يحب الموت. هو مات رفضاً للمصير الذي آلت إليه هذه الحياة الخائنة. أضرب عصام محفوظ عن الحياة، لأنها نكثت العهود ولم تعد كما شاءها وعاشها، حلماً واختراعاً وثقافة ونهضة وبحثاً عن الحداثة وكفاحاً من أجل الضوء والحرية والعلمانية والديموقراطية.
مات، وحسناً فعل، احتجاجاً وقرفاً ويأساً.
وإذ تركته هذه الجمهورية السعيدة يذوي على قارعة البلاد، فهو كان قد سبقها الى ذلك، متشفياً ومنتقماً، حين اختار طوعاً وعن سابق وعي وإدراك، قرار البحث الضمني عن الموت صوناً للحياة التي لاعبها طويلاً وعميقاً وحتى الرمق الأخير. نحن الذين تربينا على "أسطورة" مجموعة "شعر" وعلى الحقيقة العظيمة التي صنعتها لثقافتنا، كم يؤلمنا ان نودّع اليوم ركناً من أركانها، هذا الوجه النهضوي التنويري الحديث، العلماني الديموقراطي اليساري الذي شارك في صناعة الحداثة، اللبنانية والعربية، أدباً ومسرحاً وترجمة وفكراً ونقداً وسياسة، والذي يغادر اليوم حياتنا الثقافية، بل الحياة مطلقاً، تاركاً لنا التبكيت والسؤال.
أليس عصام محفوظ هو الشاعر الذي كتب عام 1973 ديوان "الموت الأول"، تمهيداً لكتاب "الموت الثاني" الذي جرت وقائعه أمس، بل قبل أمس بسنة، وربما بسنتين، والله أعلم؟!
إنه هو هو بالتأكيد، هذا الذي كتب "أعشاب الصيف" عن "دار مجلة شعر" عام 1961، هاتين الدار والمجلة اللتين ينبغي لنا أن نتذكرهما الآن أكثر من أي وقت مضى. انه عصام محفوظ، هو، هو، الذي كتب "السيف وبرج العذراء" شعراً عن "دار مجلة شعر" نفسها، عام 1963، فـ"الموت الأول"، الى ان ذهب الى خشبة المسرح لا ليقف هو فوقها إنما لينتدب الكلمات والحوارات والشخصيات والأزمنة والأمكنة، وليكتب لها النصوص الألمعية التي أدرجته كاتباً طليعياً أول في هذا المجال البكر الذي تُحفظ له فيه ريادته وأسبقيته وفاعليته الدرامية القصوى. عرفنا له بيانه المسرحي الأشبه ما يكون بالمانيفست، والذي وضعه فيه عصارة نظرته الى ما ينبغي ان يكونه المسرح العربي الحديث لكي ينمو ويزدهر ويحيا بذاته ومنفتحاً على الآخر، مثلما عرفنا له نظريته في لغة المسرح وضرورة المواءمة بين الفصحى والعامية، في ما أطلق عليه تسمية "الفصحى الشعبية". وعرفنا له، أيضاً وأيضاً، مسرحية "الزنزلخت" التي كانت صدرت عام 1968 عن "دار النهار للنشر"، لتكرّ بعدها المسرحيات، من "القتل" الى "كارت بلانش" و"الديكاتور" و"لماذا رفض سرحان سرحان"...، فإلى أعماله المسرحية الكاملة التي تنطوي على الاسئلة الوجودية، الحضارية والثقافية، الفردية والجماعية، التي يعتمل بها ضمير الانسان العربي في خضم التحولات الكبرى. ولا مفر من ان نتذكر هزيمة العرب عام 1976، والأثر الفادح الذي طبعت به مجمل الأفكار والكتابات، ذاك الزمن، ولم يكن عصام محفوظ بعيداً عن ذاك الخضمّ، بل في جحيم خيباته ومراراته.
عصام محفوظ، تعرفه جيداً هذه الصفحة الثقافية في "النهار"، أيام كان أحد أركانها وأعمدتها منذ عام 1966 الى عام 1996، بقصائده ونصوصه ومسرحياته ومقالاته وحواراته وترجماته وآرائه النقدية، وهي كانت في ضمير النهضة اللبنانية والعربية الحديثة.
أحبّ أن أسمّيه "الاستاذ" عصام، لاني انتمي الى جيل هو أحد أساتذته أولاً، ولأنه أرسى كذلك دعائم متينة للثقافة الملتزمة، لكن المتنوعة والخلاّقة، من التراث الى آخر اختبارات الحداثة، والتي لا تقف عند حدود الأدب حصراً، بل تتخطاها الى الفنون المختلفة، فإلى الموقف الشمولي من الحياة، عيشاً وفلسفة واسئلة وجود. واذا كان من صفة تجدر به فهي صفة المثقف الشمولي الرائي. ولهذا السبب كان ناقدا، اذ كان يرى بحواسه كلها، بحواسه المثقفة والمتفتحة كالبوصلة. وغالباً ما كانت رؤيته النقدية مصيبة، لأنها كانت رؤية عارفة وجوهرية. ولهذا السبب كان مترجماً. ولهذا السبب أيضاً كان محاوراً خلاقاً. وللسبب نفسه كان ملماً بشجون السياسة والفكر والنهضة، وبالرواد والمحدثين، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، حتى ليصحّ القول انه علامة باقية عند المفترقات والتحولات. وهو علامة ذات ضوء محفور في الذاكرة الأدبية الحديثة، وفي الوجدان الثقافي العام. تحت هذه المفاتيح الدلالية، أعيد القول انه استاذ ورائد. وتفتقده المؤلفات والمسارح والصحافة الثقافية والمقاهي
عصام محفوظ 1939 – 2006
كــــان عـــصـــبــة نـــفـــســـــه
المستقبل - السبت 4 شباط 2006 .
رحل الصديق، في الشعر والمسرح، والحياة، والظروف الصعبة، والرفقة المريرة، والألفة ولو على المزاج الخاص غير المدجن. هكذا رحل وحيداً، ولن يندم. فالراحلون وحدهم، هم بركة الثقافة والإبداع. والراحلون وحدهم، كأنهم يختارون الكبرياء، درباً لرحيلهم ؟
إنها غصة يا عصام. وليتك تعرف ما أحرجها! إنها لوعة وليتك تعرف ما أحدها! إنها الدمعة، وليتك تعرف ما أحزنها، وما أشفها، وما أحرها!
ترحل يا عصام، وتترك هذه المدينة، مدينتك التي ساهمت بصنع ضوئها، وطليعيتها! ترحل وتترك المقهى، يضج في صمته، بهمسك وضحكاتك المدوية، ومشاكساتك الرائعة.
ترحل، هكذا، يا عصام، وتخلف "كرسيك" شاغراً، ومنزلتك شاغرة.
بول شاوول
Assafir
عصام محفوظ ... اعبر عالمك بغضب
حينما انتكب عصام محفوظ في صحته قبل أشهر، وهو المرض الذي افضى به إلى موته، انتبه البعض إلى أن من علائم عارنا تركنا رجلاً مثل عصام محفوظ ينتكب ويستوحد بدون أن يلقي هذا مسؤولية على عاتق فرد أو مجتمع أو دولة. الأرجح أن ما أطاح بمكتبتنا وذاكرتنا في ليل هو سأم بل انتقام من الذات وتوبيخ لها طالما انقلب نكراناً كبيراً وعقوقاً بلا حدود. طالما تحول الى رشق تاريخ ورجم ثقافة لم تنقذنا وكبار لم ينقذوا أنفسهم. ولعل عصام محفوظ الذي تمسك إلى الأخير بحلم لم ينجز طاله
من نكراننا وعقوقنا الكثير.
كان عصام حساساً غضوباً طافحاً بنفسه، وتلك خصال لا تنشأ من اهواء النفس وحدها بل تنشأ من رحم ثقافة وتاريخ، وقد مثل عصام محفوظ بحق ثقافة الاحتجاج هذه وسار بها الى نهاياتها. لقد كان حفيد السيريالية الغربية والمتحول إلى ماركسية راديكالية وابن مسرح اللا معقول ومسرح الغضب ونجي لوتريامون ورامبو والفكر العقلاني العربي. في كل ذلك كان عصام محفوظ، كما يدل أدبه، ابن عصر من الوعود والصواعق والأحلام الانقلابية. وإذا كان كثيرون تزعزعوا في نصف الطريق فإن عصام محفوظ زاد تشبثا بقدر ما كانت الحرب تخسف بالأحلام والعالم يتخطى العصر الثوري، والحلم العربي إذا جاز القول يتحول سخفاً وانحطاطاً.
كان عصام محفوظ نوعاً من ماكنة فكر وماكنة إنتاج. لكنه كان ايضاً ورشة وطاحونة تأكل وتتآكل. الشاعر الذي بدأ مع مجلة شعر وعداً كبيراً وحقيقياً بقصيدة ملموسة ومادية وجارحة وأرضية وتفصيلية ما لبث ان هجر الشعر. تلك لحظة لم يكن وراءها إفلاس ولا نضوب، لكنها نوع من تكسير آلهة وافتراس أصنام. وربما كانت، كما دلتنا سيرة عصام محفوظ، ثأراً من الذات ومعركة معها. في المسرح كان أوّل وسباقاً وخلق في مناخ العصر المسرحي مسرحاً عصرياً ولغة مسرحية. من كان عموداً في حركة الشعر صار عموداً في حركة المسرح، لكن عصام محفوظ توقف فجأة في عز العمل وفي عرض الطريق، ولم يكن إفلاساً أو نضوباً، بل قدرة على القطع وعلى معاقبة الذات.
ما كان لكثيرين أن يرحموا كما يزعمون امرأً لا يرحم نفسه، ولم يرحم عصام نفسه ولم يرحم أحياناً سواه. كان قادراً على ان يصل بكل شيء إلى حافة النهاية، قادراً دائماً على الرجوع إلى الصفر والابتداء من جديد، انها ملكات كثيرة ساقها صاحبها بعسف حقيقي وموهبة كبيرة وفجة أثخنها بالإجهاد والتبديد. ولنقل ان الرجل، حتى في ما بدا لحظات تعب واستخفاف، كان قادراً، وكان خزينه كبيراً، إذ لا ننسى انه كان في حركة الشعر وحركة المسرح الأكثر اكتنازاً ومراجعة، وفي أوساط تسودها في الغالب عصامية وموهبة خام. كان عصاماً لكن ليس عصامياً فقد التهم مكتبة كاملة وبنى نفسه من الاصول، وتبنى تراثاً بأكمله من الشرق والغرب، وإذا بقي عصام محفوظ حتى نهاية حياته باحثاً في رامبو والسيريالية والجاحظ وابن عربي فلأنه كان ابن مدرسة ولأنه كان ابن تراث.
أكان حقاً أديباً ملعوناً بحسب التسمية الغربية، أي رجلاً لا يتعب من إيذاء نفسه ولا يتعب العالم من إيذائه. أكان حقاً رجلاً لم ينصف نفسه فكيف ننصفه نحن الذين لم يترك لهم العالم بقية من عدل أو انتباه؟ موت عصام محفوظ مستوحداً سيكون عقاباً لنا. إنه الأول الذي نخونه في عائلتنا الغريبة. الأول الذي خفنا من عدوى جموحه وثوريته ووسواسه وسويدائه. الأول الذي تركناه يشيخ قبل الأوان، وتركناه يعاقب نفسه عنا. موته، كما شعرنا حين انتكب في صحته، إخطار لنا، إنذار يرينا أن العيش بلا أحلام وبلا مخيلة لا ينجي من الجحيم.
بيروت – عبده وازن الحياة - 04/02/06
لم يكمل عصام محفوظ عامه السابع والستين، هو الذي كانت تليق به الحياة، بصخبها، بآمالها وخيباتها. رحل بعد اشهر من ملازمة الفراش، مشلولاً، شبه وحيد، مواجهاً الموت بما تبقى له من امل ضئيل. هذا الشاعر اللبناني والكاتب المسرحي والصحافي والمثقف الطليعي كان يستحق نهاية اقل وحشة وأقل برداً وفقراً. فهو كان من أبرز الكتّاب التزاماً لقضايا الإنسان المعاصر، نادى بالعدل ودعا الى الحلم وعمل على ترسيخ الثقافة الجديدة، جامعاً بين فكرة «تغيير» العالم و «تبديل» الحياة.
كان طبيعياً ان يستهل هذا الشاب القادم الى بيروت من الريف الجنوبي (جديدة مرجعيون) مطلع الستينات من القرن الماضي، مساره الطويل شاعراً، وشاعراً حديثاً، لم يتخل عن الوزن الحر وقصيدة التفعيلة التي كتبها على طريقته. ولم يمض وقت حتى التحق بمجلة «شعر» التي أسسها الشاعر يوسف الخال العام 1957، وأصبح من اعضائها البارزين. وفيها نشر قصائد كثيرة وكتب بعض افتتاحياتها، علاوة على بضعة «بيانات» خصوصاً عندما واجهت المجلة ازمة جوهرية.
خلال سنوات «شعر» أصدر محفوظ اربعة دواوين حملت معالم تجربته ذات الطابع المأسوي الخاص، ولكن المشرع على التراجيديا الإنسانية. وبدا شعره مشوباً بالإحساس العدمي بالحياة على رغم استعادته «البراءة» الأولى موئل خلاص في عالم شديد القسوة والإجحاف. في العام 1973 جمع محفوظ مختارات من شعره في ديوان عنوانه: «الموت الأول» وشاءه مرجعاً اخيراً لتجربته الشعرية بعدما استنكف عن طبع دواوينه طبعات جديدة.
في العام 1967 وبعيد هزيمة حزيران، كتب محفوظ آخر قصائده (وداع الأيام الستة) وبها «ودّع» عالم الشعر منتقلاً الى المسرح وبادئاً مرحلته الثانية. وبدا هذا الانتقال ناجماً عن ازمتين: ازمة شعرية تجلت في صميم التعبير اللغوي وفي استنفاد القصيدة الحرة والنثرية، وأزمة سياسية – وجودية كانت «الهزيمة» سببها الأول، في ما تركت من أثر سلبي في الذات الفردية والذات الجماعية، دافعة اياه، مثله مثل المثقفين العرب، الى اعادة النظر في الواقع المتردي، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، وجد محفوظ في المسرح وعياً أعمق بالمأساة الإنسانية وتعدداً للذات عبر الذوات الأخرى، بل هو اختار المسرح وتخلى عن الشعر لأنه وجد ان «الكلام الشعري صار حاجزاً يمنع رؤية الخنجر الموجه الى الصدر» كما يقول. لكن محفوظ ظل شاعراً في مسرحه العبثي والسياسي، وأفاد من شعريته ليطوّر اللغة المسرحية محرراً إياها من الثقل الإنشائي والبلاغة المرهقة. وبدت مسرحيته الأولى «الزنزلخت» التي كتبها العام 1968 بمثابة حجر الزاوية الذي بُني عليه المسرح اللبناني الحديث، ومعها انتقل النص المسرحي من الترجمة والاقتباس الى التأليف. وحمل «سعدون» بطل هذه المسرحية ملامح البطل اللبناني والعربي، السلبي والوجودي، الذي يحاكمه مجانين في مصح على جريمة لم يقترفها. بعد هذه المسرحية توالت اعمال اخرى: القتل (1969)، الديكتاتور (69)، كارت بلانش (70)، لماذا؟ (71). اما آخر مسرحية كتبها قبل الحرب فكانت «حسن والبيك» (74) وكانت عبارة عن مونولوغ او مونودراما، وأداها حينذاك الفنان الشعبي «شوشو» (حسن علاء الدين).
لم يكن مستغرباً ان تكون «حسن والبيك» آخر اعمال محفوظ المسرحية في المعنى التام للمسرح. فمثلما دفعته «الهزيمة» الى هجر الشعر والتحول الى المسرح، دفعته الحرب اللبنانية الى هجر المسرح والانصراف إلى الصحافة. فهو لم يستطع استيعاب هذه الحرب، الأكثر عبثية من المسرح العبثي نفسه، والتي خيبت آماله كمثقف ملتزم و «إنسانوي»، واقعي ومثالي. هكذا انتقل الى الصحافة الثقافية في شكل احترافي وسرعان ما فرض حضوره كاتباً مجلّياً بمقالاته العميقة والشاملة وبحواراته البديعة والقضايا التي طرحها. وعندما ضاقت به بيروت الحرب سافر الى باريس وعمل اولاً في مجلة «المستقبل» ثم في «النهار العربي والدولي» ثم عاد الى لبنان وإلى «النهار» الصحيفة التي انطلق منها.
كان عصام محفوظ يعتبر مقالاته وحواراته الطويلة بمثابة «اعمال» نقدية يمكن اعتمادها كمراجع في حقولها، فدأب على جمعها في كتب، بلغت قرابة عشرين كتاباً ومن ابرزها حواراته المتخيلة مع رواد الفكر العربي القدامى، اضافة الى مقالاته وترجماته التي شملت الأدب المسرحي والروائي، عربياً وعالمياً.
«نهايتي باردة / مهجورة/ مثل بقايا مائدة»... هكذا كتب عصام محفوظ حادساً بموته شبه المأسوي الذي وضع حداً لحياة عاصفة بالأفكار والقضايا والهموم، حياة عاشها بتناقضاتها الجميلة ومعاركها وأوهامها.
المثقفون العرب يشيّعون اليوم صاحب «الزنزلخت» إلى مثواه الأخير ... عصام محفوظ . صرخة «سعدون» الأخيرة في زمن القهر والهزائ
بيار أبي صعب - الحياة - 05/02/06
مضى الشاعر، ومعه «زليخة» و»سعدون» و»فرج الله الحلو» و»سرحان بشارة سرحان»، ليلتحق بالمعلّمين الذين جالسهم في سنواته الأخيرة الغزيرة بالانتاج من جورج شحادة مواطنه في جمهوريّة الشعر... إلى الشيخ الأكبر ابن عربي وصحبه «الماديين» ابن الرواندي وأبو بكر الرازي وجابر بن حيّان، مروراً بآرتور رامبو وأوجين أونيسكو وألفريد جاري، وطبعاً هارولد بينتر وصموئيل بيكيت اللذين خيما طويلاً على عالمه المسرحي.
مضى بالخفر المعهود نفسه، ممزوجاً بسخريّة عبثيّة درج عليها في المسرح والحياة... كأنّه يخفي خلف نظارتيه السوداوين، مرارة لا تقال، واستقالة من كلّ الاحلام الطليعية والتطلّعات المستقبليّة التي طالما طبعت كتابته ومعاركه، وتجربته ورهانات جيله.
لذلك تراه تشبّث في السنوات الأخيرة بالذاكرة الهاربة يوماً بعد آخر، كمن يستعيدها ويحييها ويجاهر بالانتماء اليها في أزمنة الانحطاط والتشنّج والظلام، برموزها وانجازاتها الفكريّة والأدبيّة. فهو يتيم العصر الذهبي لبيروت، لم يعد يجد في الواقع أو الراهن ما يروي غليله أو يشفي خيباته أو يغري بالانتماء والنزول الى المعترك... مثل أيّام زمان.
كانت ستينات بيروت التي شهدت بروز محفوظ، أرضيّة خصبة بالتجارب الأدبيّة والفنيّة والفكريّة والجماليّة، صاخبة بالتجارب السياسيّة الراديكاليّة الساعية إلى تطوير المجتمع وتغيير العالم. تلك الصحوة التي حوّلت المدينة مختبراً عربياً رائداً، ما لبثت أن تفاقمت بالمشاريع البديلة في الأدب والسياسة، وفارت المواد الأسيديّة في الأنابيب حتّى كان الانفجار الكبير، الذي أدخل لبنان، وبعده المنطقة في جحيم الحروب الأهليّة.
وفي خضمّ تلك الفورة عرفت الحركة المسرحيّة عصرها الذهبي... كان تجربة «شعر» مهّدت لاعادة النظر بالقوالب والأشكال، واختراع لغات جديدة، ولم تلبث العدوى أن انتقلت إلى الخشبة، بعد بروز جيل من المخرجين والممثلين المتأثرين بمختلف التجارب الغربيّة، والباحثين عن هويّة وشرعيّة ومعنى وامتداد وجذور في أرضية ثقافية خصبة، أو تربة بركانية إذا فضّلنا. وكان عصام محفوظ أحد صانعي ذلك العصر الذهبي، خصوصاً في المسرح. خاض تجربة الترجمة من التراث العالمي التي انخرط فيها شعراء بارزون مثل أنسي الحاج، فكانت «غودو» بيكيت، وخاض تجربة العمل الجماعي مع «محترف بيروت للمسرح» (روجيه عسّاف/ نضال الأشقر)، فكانت «كارت بلانش». وبعدها استقلّ بتجربته ليكتب نصوصه على أسس جديدة، تنبذ الخطابة، ترفض الذهنية، تستبعد الأمثولة الايديولوجيّة... وتقطع الطريق على كل ثرثرة خارج الضرورة الدراميّة، والايقاع الشعوري، والرؤيا الفكريّة المجسّدة جمالياً.... بدءاً من مسرحيّة «الزنزلخت» التي تعتبر مفترق طرق في المسرح اللبناني الحديث. قدمت المسرحية للمرّة الأولى العام 1968، بعد أربع سنوات على كتابتها، (وكان رفضها منير أبو دبس)، وضمّت أبرز ممثلي تلك الحقبة الاستثنائية: ريمون جبارة ومادونا غازي ونبيه أبو الحسن وفيليب عقيقي... وأخرجها بيرج فازيليان... وليس غريباً أن يعود الجيل الجديد الى هذا العمل، إذ أخرجته في التسعينات مسرحيّة شابة هي عبلة خوري التي تنتمي إلى جيل «ما بعد المسرح» يبحث عن نفسه خارج القوالب الضيّقة للعبة المسرحيّة التقليديّة.
ويروي المخرج بيرج فازيليان في سيرته عن تلك التجربة: «جاءني ذات ريمون جبارة ونبيه أبو الحسن وفيليب عقيقي ومادونا غازي. قالوا: نريد أن نقدم «الزنزلخت» لعصام محفوظ. باشرنا التمارين عليها، وهي في مراحل متقدمة على هذا الصعيد. عصام محفوظ أراد إخراجها، لكن التجربة كشفت عدم تمكّنه من فن الاخراج. قرأوا المسرحية على مسمعي، وجدتها مسرحية عبث. أردت عبرها ان نذهب جميعاً الى العبث الأقصى. غيرت قليلاً في شكل الكتابة لهذه الغاية. سعدون (ريمون جبارة) يبدأ من لحظة الولادة وينتهي بها. لا حلول في الحياة، هكذا أردت للمسرحية ان تقول بارتداد البطل الى الرحم. عصام يقول ان لا حرية. كنت أكثر راديكالية في طرحي في المسرحية. لم يكن في حوزتنا مال. استدعيت عارف الريس، قلت يا عارف نحن لا نملك مالاً. ونريد ان تساعدنا في ديكور «الزنزلخت». عندي رؤية: حديد بحديد. جئت بشاحنة حديد ورميناه على الخشبة. ذهب عارف في الرؤية الى حدودها القصوى. زوجتي صممت الملابس من الجنفيص الرخيص. كلفت المسرحية 500 ليرة لبنانية. أما الممثلون فقبضوا من عائدات شباك التذاكر. عند نهاية العروض، خرج كل واحد منهم بمبلغ 35 ليرة. الموسيقى كانت مقطوعات لرافي شنكار».
مع «بيان مسرحي رقم واحد» أراد محفوظ أن يؤرّخ للتجربة، ويعلن ولادة اتجاه جديد... على طريقة توفيق الحكيم في «قالبنا المسرحي»، ويوسف إدريس صاحب «الفرافير» في «نحو مسرح مصري»، وصولاً الى سعد الله ونّوس الذي يعتبر شريكاً في التجربة من موقعه الخاص «في بيانات من أجل مسرح عربي»، وبيان المسرح الاحتفالي في المغرب (الطيب الصديقي - عبد الكريم برشيد)... وصولاً الى روجيه عسّاف، ولعلّ هذا الأخير أعلن في «بيان مسرح الحكواتي» نهاية ذلك العصر الذهبي الذي كان أحد شركائه البارزين.
في بيانه يعلن عصام محفوظ الحرب «ضدّ الاتفاق، ضد التقليدية، ضدّ التفاهة، ضد الكسل، ضد اللامسرح». إنّها حرب تجعل أعماله عند «الحد الفاصل بين النص الأدبي والنص المسرحي (...) إنني ضد الكلمة الشعرية في المسرح، ضدّ الحذلقة الذهنيّة، ضدّ البلاغة، ضد الخطابة، ضد الغنائيّة، ضد الفكر، ضدّ كلّ ما يقتل الحياة في اللغة المسرحيّة».
وعلى رغم مشاغله السياسية التي طبعت بسماتها تلك الحقبة في لبنان والمنطقة، فإنّه رفض الشعار، والثقل الايديولوجي... ناحياً صوب العبث، بصفته ردّ الفعل الوحيد الممكن على الاستلاب الذي يولّده القمع. إنها تلك الانعطافة الحاسمة نحو ما سماه محفوظ «التفتحات الشكلية الجديدة» التي ابتكرت لغة جديدة، قافزة من «لغة الكتاب الى لغة الخشبة». إنّها «اللغة الثالثة» التي بشّر بها عصام محفوظ، وتقع في منطقة وسطى بين الفصاحة الأدبيّة، والمحكية كما تعيش على لسان العامة. عمل محفوظ على فصاحة مبسّطة، أو عامية فصيحة، لغة تمثيلية تتسع لتجسيد حالات شعورية محددة في سياق درامي محدد. إنّها عمليّة تواطؤ بين المكتوب والشفوي لتوليد لغة حيّة ومعاصرة، لغة الحياة، أولاً وأخيراً لا حاجزاً إضافيّاً ينتصب بين الخشبة والجمهور.
وبعد «الزنزلخت» التي جاءت خير تعبير عن نكسة الـ 1967، كتب محفوظ مسرحيّة «الديكتاتور» التي تنحو أكثر نحو العبث. شخصيتان معزولتان كما في مسرح بينتر («الغرفة» مثلاً)، في ملجأ غامض يقودان انقلاباً عكسرياً أو ثورة خرافيّة من عزلتهما الكافكاويّة. الجنرال المصمم على تخليص العالم وتابعه سعدون. السيد والعبد، في لعبة تبادل أدوار مقلقة. أخرجها ميشال نبعة ومثّل فيها إلى جانب أنطوان كرباج، وقدّمت للمرّة الأولى سنة 73. من المفروض أن «الديكتاتور» هي الجزء الثاني من ثلاثيّة حول شخصيّة «سعدون». لكن الجزء الثالث «سعدون ملكاً» لم يعرف أبداً طريقه الى الخشبة أو المطبعة. توصل محفوظ مع سعدون الى بناء شخصية مسرحية متكاملة، ناضجة، (لا رمزاً لحالة أو قضية أو شعار)، شخصية مستقلّة عن الحدث ومشاركة فيه، أي بامكانها التحكّم فيه. سعدون هو الطفل المشاكس الحالم بتخريب العالم السلطوي، وهو ضحية القمع والاحباط والحرمان والاضطهاد، من شقائه يولّد الفكاهة. في «الزنزلخت» هو الفرد العاجز عن التفاهم مع الجماعة، الداخل في صراع وجودي مع قدره. أما في «الديكتاتور» فيرتقي الى مرتبة اعلى من الوعي الانساني، من دون تعديل في البعد المأسوي لتلك الشخصية الساخطة، كما هو عصام محفوظ نفسه، وكما بقي حتّى أيّامه الأخيرة محافظاً على الراديكاليّة نفسها.
لا بدّ من التوقّف عند تجربته قي التعاطي مع نصّ صموئيل بيكيت الشهير «في انتظار غودو» وقد اعاد كتابته بتلك اللغة الثالثة التي طالما دافع عنها، وأخرجها شكيب خوري متقاسماً بطولتها مع روجيه عسّاف ونبيه أبو الحسن (1969). لا بدّ أيضاً من الاشارة الى مسرحيّة خاصة جداً لمحفوظ، هي «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71» (1971) التي تختصر تأثراته بالمسرح التوثيقي على طريقة بيتر فايس صاحب «مارا - ساد»: الشغل على المادة الارشيفيّة وتحويلها الى لعبة دراميّة وطقس احتفالي. وهي الطريقة التي واصل اعتمادها في مؤلفات الحقبة الأخيرة نابشاً من التراث النهضوي مادة لـ «محاوراته» الممسرحة مع كبار مفكّري النهضة العربية ورموزها، أو مع مفكرين نقديين من التراث العربي - الاسلامي.
قام محفوظ بمجالسة «مع الشيخ الأكبر ابن عربي» (دار الفارابي - 2003)، وجال مع رواد «مسرح القرن العشرين» (دار ألفارابي - 2002) مقدماً بأسلوبه المعهود رموزاً أساسية في ثقافتنا المسرحية المعاصرة: صموئيل بيكيت، برتولد بريخت، يوجين أونسكو، فريدريش دورنمات، ماكس فريش، آرثور أداموف، آرثر ميلر، جان أنوي، جون أوزوبرن، هارولد بنشر، هاينر مولر، وول سوينكا، جورج شحادة، أدمون بوند، عزيز نيسين، ألفرد جاري... وتوقّف عند «رامبو بالأحمر» (دار الفارابي - 2000)، متناولاً للمرّة الأولى شعر رامبو وسيرته من خلال علاقته بعامية باريس (كومونة 1871)، والاشتراكية الطوباويّة... كما كان تقصّى عالم جورج شحادة وشعره في «جورج شحادة - ملاك الشعر والمسرح» (دار ألفارابي - 1989). وكثّف لقرّائه «سجالات القرن العشرين» (دار الفارابي - 2004)... كما سبق أن حاور مفكري النهضة وغيرهم من شعراء وروائيين وروّاد... ولم يتوان عن الكتابة عن «الإرهاب بين السلام والإسلام» (دار الفارابي - 2003)، معالجاً مسيرة الإرهاب «بالتوازي مع مشروع الإمبراطورية الكونية الأميركية، سواء الإرهاب الحقيقي كردّ فعل على الاستفزاز الأميركي المباشر، أو الإرهاب المزيّف الذي للكواليس الأميركية حصة في صنعه بطريقة غير مباشرة، واستغلال الوجهين معاً لتعطيل كل قدرة على مقاومة مخططات الهيمنة الكونية التي للصهيونية الحصة الكبرى فيها».
هكذا هو عصام محفوظ، في كل مؤلّف وضعه بعد انقطاعه عن المسرح، كان يبحث عن جزء أساسي من مكوّنات وعيه ووعي جيله، ويجاهر به لمعاصريه، كمن يخاطبهم عن الراهن وعن أدوات مواجهته. وتلك الكتب يمكن اعتبارها ايضاً فصولاً في سيرة ذاتيّة ناقصة، وضع الموت حداً لها قبل الأوان. إنّ موت عصام محفوظ مثَّل الجزء الثالث من ثلاثيته المسرحيّة الناقصة، هو احتجاح سعدون الأخير على ظلم العالم في زمن القهر والهزيمة والطغيان.
حياته ومؤلفاته
ولد عصام محفوظ سنة 1939 في جديدة مرجعيون جنوب لبنان.
جديدة مرجعيون ودّعت عصام محفوظ:
واثنى الخوري في عظته على مزايا الراحل ومسيرته التي بدأها في بلدته جديدة مرجعيون وانتهت في بيروت، وقال: "فقيدنا الذي انتقل من الموت الى الحياة الأبدية نال المكافأة الابوية السموية بفضل اعماله الصالحة والمميزة والمفيدة للمجتمع". وتابع: "رحل الشاعر والأديب والمسرحي والناقد والمترجم والحواري الذي خاض معترك الحياة في حقل الثقافة والأدب والتدريس في الجامعة اللبنانية. أذاب ذاته كي ينير طريق العلم والمعرفة امام من هم في حاجة له (...). نعم أيها الراحل الكريم العزيز عليك ان تفرح وتبتهج لأنك اليوم تترك هذا العالم الزائل وتحصل على الاجر العظيم والمكافأة الأعظم من الآب السموي بفضل اعمالك العظيمة فتبقى خالدا".
ثم القت وفاء جرداق باحوط كلمة العائلة مستعيدة ما اضطلع به الراحل المدرس الجامعي والصحافي والمؤلف المسرحي والناقد والمحاور، وقالت: "سكت القلم وسكت القلب الكبير لكن عصام المبدع سيبقى ثابتا وخالدا".
والقى شربل فارس كلمة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وقال فيها: "نودّع اليوم ركنا من أركان نهضتنا الحديثة وعلما من اعلام ثقافة الحرية والعدالة والديموقراطية"، مثنيا على الفضائل التي كان يتمتع بها الراحل. كما كانت كلمة لمدير "كلية مرجعيون الوطنية" موريس الدبغي. ثم اقيمت مراسم الجنّاز والدفن وتقبل افراد العائلة التعازي.
عصام محفوظ إلى مثواه في مرجعيون <<يتيماً>>
القداس الاحتفالي للراحل محفوظ في جديدة مرجعيون
قلة قليلة من رفاق الأدب والثقافة والشعر، وأخرى متواضعة من أبناء جديدة مرجعيون، مشت <<دبيبا>> أمس، كأنها خلف يتيم، وراء نعش الراحل الفقيد عصام محفوظ تشيعه نحو مثواه الأخير، في بلدته جديدة مرجعيون التي تسلل من أزقتها التراثية المحافظة على ديمومتها، إلى متن المسرح واللغة والنقد والشعر، نحو فضاء <<أرحب>> بعدما ضاقت بإبداعاته. ففي موكب متواضع خال من الوجوه الرسمية والسياسية، مع نفر قليل من <<رفاق الدرب>> ودعت جديدة مرجعيون ابنها المثقف والأديب والناقد والمسرحي عصام محفوظ، بعد جولة قصيرة انطلق فيها النعش في سيارة دفن الموتى، وخلفه المودعون، من كاتدرائية مار بطرس وبولس للروم الأرثوذكس في جديدة مرجعيون، مروراً بساحتها، ثم نحو مقبرة البلدة حيث ووري في مدفن العائلة.
شارك في التشييع أمين عام المجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق على رأس وفد من المجلس، ومدير المعهد الوطني للكونسرفتوار الدكتور وليد غلمية ورئيس بلدية جديدة مرجعيون المهندس فؤاد حمرا، والشاعر عصام العبدالله مع أشقاء الفقيد وعدد من أبناء البلدة والجوار. وسبق ذلك قداس وصلاة لراحة نفس الراحل ترأسها الأب سمير الخوري وعاونه عدد من آباء الكنائس المختلفة. وألقى الأب الخوري كلمة جاء منها:<رحل الشاعر والأديب والمسرحي والناقد والمترجم والحواري الذي خاض معترك الحياة في حقل الصحافة والأدب والتدريس في الجامعة اللبنانية؛ وفي مجالاة عدة أذاب ذاته كي ينير طريق العلم والمعرفة والثقافة أمام من هم بحاجة لها....
واستعرضت وفاء جرداق باحوط باسم آل الفقيد اعمال عصام الأستاذ الجامعي الذي درّس التأليف الدرامي في الجامعة اللبنانية والصحافي الثقافي في <<النهار>> والمسرحي المبدع، فهو المؤلف الحديث في المسرح اللبناني إذ كتب أكثر من عشر مسرحيات صنف بعضها بين أفضل إبداعات المسرح العربي، والناقد الذي كتب <<أراغون الشاعر والقضية>> والثقافة العربية الحديثة، والرواية العربية والطليعية ومسرح وشعراء واساتذة القرن العشرين والمحاور مع رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، ومنها مع المتمردين في التراث، ومنها مع الملحدين، ومنها مع ابن عربي. واشارت نهاية الى كتاباته السياسية والقصصية وترجماته ودواوينه...
ووصف الفنان شربل فارس باسم أصدقاء الفقيد والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي الراحل بانه كان ركنا من أركان نهضتنا الحديثة وعلماً من أعلام ثقافة الحرية والعدالة والديموقراطية. واعلن ان صادق، تلقى ليل أمس، مخابرة هاتفية من وزير الثقافة الدكتور طارق متري الموجود في روما، حيث اعتذر عن عدم مشاركته في التشييع معنا مقدماً خالص تعازيه.
والقى مدير كلية مرجعيون الوطنية موريس دبغي كلمة منها: استمهلكم قليلاً ... فعصام محفوظ يؤلف الآن آخر سطر من مسرحية العودة العلياء إلى العلية... وبالأذن من حضرة الأب، فعصام لم يعد من هذا العالم إلى العالم الآخر... كان دائماً في عالم آخر... وختم قائلا: عصام في النعش؟ لا عصام في <<العلية>> أهلاً بك عصام في جديدة مرجعيون.
عصام محفوظ رائد المسرح اللبناني الحديث على مستوى التأليف. كان، هو المتحرك بين الشعر والمسرح، اول الداعين الى الابتعاد عن اللغة الشعرية، ومن خطا اول خطوة كبرى في لبنان لفصل النوع المسرحي عن النوع الادبي. إنه كاتب اول مسرحية قابلة للعرض على الخشبة تتعامل مع القضايا والمواقف الانسانية والفكرية التي صدرت عنها الحركة الحديثة، من دون ان يجيء ذلك من خلال العبارة الادبية والتعبير المجرد، بل من خلال المشهد والموقف المسرحي وبناء الشخصية وعلاقات الشخصيات في ما بينها وبناء المشاهد. لذلك من الطبيعي ان يكون صاحب البيان المسرحي الحديث رقم واحد. انه البيان الذي نشره في مقدمة مسرحيته الاولى والرائدة الزنزلخت.
يقول محفوظ في هذا البيان مشيراً الى الزنزلخت: «ولم تكن فقط تأييلاً وتركيزاً للتفتحات الشكلية الاخراجية في المسرح اللبناني، تأكيداً دعم هذه التفتحات واعطاها مداها اللبناني، بل كانت معركة ايضاً / ضد الاتفاق / ضد التقليدية / ضد التفاهة / ضد الكسل / ضد اللامسرح / معركة جعلت منها حداً فاصلاً بين النص الادبي والنص المسرحي (...) دافنة هكذا بحس مستقبلي كل النصوص اللبنانية المقبلة التي ستكون مربوطة بالتقليد السابق (...) انا ضد الشعر في المسرح. كشاعر أقول هذا، متحسساً الموقف الشعري في اصطدام اليومي بالمطلق / الحياة الصغيرة بالحياة الكبيرة».
لا شك في ان لغة هذا البيان تتميز بالتطرف الذي هو سمة البيانات اجمالاً. وسيوضح محفوظ في مناسبات لاحقة ما يقصده بقوله: «ضد الشعر وضد الفكر في المسرح»، لا سيما ان مسرحية الزنزلخت هي المحصلة الاخيرة مسرحية شعرية وفكرية. غير ان شعريتها لا تقوم على العبارة البلاغية الرنانة والحوار المنمق بل تنتمي الى الخشبة. ضد ذلك النوع الادبي الذي عرف بين العشرينات والخمسينات، وظهرت منه اعمال كبرى في المعيار الشعري. اما في قول محفوظ انه ضد الفكر فكان يشير الى الاعمال التي تتخذ المسرح وسيلة لعرض الافكار او تكتب بناء على اطروحة فكرية كمسرحيات كامو وسارتر.
كتب محفوظ مسرحياته باللغة المحكية، وباللهجة اللبنانية تحديداً. وكان من اوائل الداعين الى لغة مسرحية تشبه لغة الحياة اليومية بدل ان تشبه لغة الكتب. وقد دافع عن دعوته هذه في كل مناسبة، واعتبر اعتماد اللغة المحكية في المسرح جزءاً من فصل المسرح عن النوع الادبي، وشرطاً من شروط تكريسه كلغة مشهدية مستقلة مبنية على الموقف والعلاقة والحركة.
من كتاب «الحركة المسرحية في لبنان 1960 – 1975، تجارب وأبعاد (مهرجانات بعلبك الدولية)
غودو- صموئيل بيكيت كما «عرّبه» محفوظ
«في انتظار غودو» يتكلم صموئيل بيكيت ليقول فشل الكلام. ليس عند الإنسان ما يقوله، وإذا ينتظر، فلن يجيء أحد. وكلما طال الحوار في «انتظار غودو» اتسع الشعور بالفراغ. كل كلمة هاوية. كلمة وراء كلمة انحلال وراء انحلال. وفقدان أمل يبدأ خفيفاً ثم يتضخّم. ويروح فقدان الأمل ويجيء في المسرحية كالمد والجزر. وفي مرحلة الجزر، ولأن الجزر يوقف نزف اليأس موقتاً، يبدو ذلك «كأنه» الأمل. لكنه فقدان الأمل وقد نام قليلاً استعداداً للنهوض من جديد.
عدم اليقين سيد الموقف. أول مخرج اميركي لـ «في انتظار غودو»، قال لبيكيت: من هو غودو وماذا يعني؟ فأجابه: «لو عرفت لقلت ذلك في المسرحية».
فلاديمير وأستراغون المتشردان اللذان ينتظران شخصاً يدعى غودو لأنهما يظنان أنهما على موعد معه، هما صموئيل بيكيت. ليس في المسرحية عقدة. انها أبدية من الصمت يملأه المؤلف بكلام أغلب الظن أنه الكلام الذي يقطع به صمت حياته الشخصية في الواقع. لا يعرف لماذا قال هذه العبارة ولم يقل غيرها ولا يعرف أين ستقوده ولا ماذا يقول بعدها. حوار طرشان؟ أو حوار غير طرشان مع محدثين هم الطرشان وأمام عالم هو الأطرش.
(...) الوعد بالخلاص يهدم الطمأنينة. الوعد بالخلاص كالتهديد الدائم بألا يتحقق الوعد. (...) من هو قايين بين فلاديمير وأستراغون ومن هو هابيل؟ اليقين! اليقين! لا وجود له. بوز ولاكي، السيد والعبد، تعرفا إلى فلاديمير وأستراغون في الفصل الأول، ثم في ما بعد لم يتعرفا اليهما. الغلام رسول غودو يتعرف اليهما في البداية، لكنه عندما يعود، ينكرهما. وقد نقول ان فلاديمير واستراغون هما، على الأقل، يتعرفان الى بعضهما بعضاً، لكنهما شخص واحد. انهما الوجه والقفا، انهما وجه الانتظار وقفاه، ولو لم يكن هناك غودو المربوطان بانتظاره لانفصلا.
الحياة عادة. يفيق الإنسان من هذه العادة حين يوقظه وجع الشعور بأنه موجود. وعندما يجتاز محنة هذا الشعور يعود فيرتمي في سأم العيش. وحتى لا تدركهما اليقظة، حتى لا يدركهما الوعي، يتسلى فلاديمير وأستراغون بالكلام. الكلام هنا ضد الفكر. ويتكلمان بلا معنى لكي لا يعودا ويتذكرا أنهما فكّرا، أنهما تكلما كلاماً له معنى. الكلام الذي له معنى، عندما نتذكره، ينبهنا إلى أننا موجودون. وعي هذا الوجود لا يسبب غير الألم.
(...) يقال الكثير عن مسرحية بيكيت. انها مملوءة بالأسرار المفتوحة على المطلق، ولكن لا يمكن تفسيرها تفسيراً واحداً محدّداً. الأسئلة التي يطرحها بيكيت هو نفسه لا يملك الجواب عنها. لذلك فنحن لا نملك غير «أجوبتنا» نحن. لبيكيت غودو ولكل من جمهور مسرحيته غودو. مسرحية مذهلة، ومزعجة، وتعسة، ومرعبة. انها أهم ما كتبه ومن دونها لا يكون مسرح القرن العشرين قد كان ما هو.
لم يكن أحد ينتظر أن يصل شكيب خوري إلى إخراج «في انتظار غودو» بهذه البساطة التي بنت لها جسراً أميناً إلى الجمهور. كان إخراجه متواضعاً، عاقلاً، إيجابياً. ربما فاته أن يبلور حركة الانحلال والتلاشي الآخذة في التفاقم فصلاً بعد فصل، وربما لم يركز تركيزاً كافياً على تواتر الشعور بالعبث ثم الشعور بالحاجة إلى الهرب من العبث، وغير ذلك من الأبعاد الميتافيزيقية. غير أنه أتاح لنا، بترجمة عصام محفوظ التي بلغت فهم الجميع، أن ننظر إلى عالم بيكيت من زاوية إخراجية لم تجفّل النظر.
ولم يخنه، في إخراجه، أحد من الممثلين. وكان هو وروجيه عساف في دور فلاديمير وأستراغون كمتبارزين من أساتذة السيف.
مقتطفات من مقالة نشرت في «ملحق النهار» - 19 شباط (فبراير) 1967
استاذ التأليف الدرامي في الجامعة اللبنانية من عام 1969 حتى عام 1975.
عمل في صفحة "النهار" الثقافية من عام 1966 الى حين تقاعده عام 1996.
"الزنزلخت"، "دار النهار للنشر"، 1968.
"القتل"، "منشورات مجلة الفكر"، 1968.
"كارت بلانش"، منشورات مجلة "المصارف"، 1970.
"الديكتاتور"، "دار الطليعة"، 1972.
لماذا رفض سرحان سرحان..."، دار الطليعة، 1972.
"مسرحيات اذاعية"، "دار القدس"، 1975.
"جبران صورة شخصية، مسرحية وثقافية"، "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، 1983.
"المسرحيات القصيرة"، "دار ابعاد"، 1984.
الأعمال المسرحية الكاملة"، "دار الفكر الجديد"، 1988.
"التعري"، "دار الفارابي"، 2003.
"الأعمال المسرحية الكاملة" طبعة منقحة ومزيدة، "دار الفارابي"، 2005.
"دفتر الثقافة العربية الحديثة"، "دار الكتاب اللبناني"، 1973.
"أراغون الشاعر والقضية"، "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، 1974.
"سيناريو المسرح العربي في مئة عام"، "دار الباحث"، 1981.
"الرواية العربية الطليعية"، "دار ابن خلدون"، 1981.
"مشاهدات ناقد عربي في باريس"، "دار الباحث"، 1981.
"لقاءات شخصية مع الثقافة الغربية"، "الدار العالمية"، 1984.
"السوريالية وتفاعلاتها العربية"، "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، 1987.
"جورج شحادة ملاك الشعر والمسرح"، "دار النهار"، 1989.
"المسرح مستقبل العربية"، "دار الفارابي"، 1991.
"مسرحي والمسرح"، "مكتبة بيسان"، 1995.
"عشرون روائياً عالمياً وتجاربهم"، "شركة المطبوعات"، 1998.
"الرواية العربية الشاهدة"، "دار المدى"، 2000.
"شعراء القرن العشرين"، "دار العلم للملايين"، 2000.
"الشعراء الرواد في لبنان: 1900 – 1950"، "شركة المطبوعات"، 2000.
"ماذا يبقى منهم للتاريخ"، "دار رياض الريس للنشر"، 2000.
"مسرح القرن العشرين: المؤلفون"، "دار الفارابي"، 2002.
"مسرح القرن العشرين: العروض"، "دار الفارابي"، 2002.
رامبو بالاحمر"، "دار الفارابي" 2002.
"سجالات القرن العشرين الفكرية"، "دار الفارابي"، 2004.
"روائيو القرن العشرين"، "دار البيروني"، 2005.
"محاكمات لها تاريخ"، "دار البيروني"، 2005.
"اساتذتنا في القرن العشرين"، دار البيروني"، 2005.
"رحلة ثقافية في سبعينات القرن العشرين – شرقاً وغرباً"، "دار البيروني"، 2005.
"حوار مع رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر"، دار رياض الريس للنشر"، 1988.
"حوار مع المتمردين في التراث"، "دار رياض الريس للنشر"، 2000.
"حوار مع ابن عربي"، "دار الفارابي"، 2003.
"حوار مع الملحدين في التراث"، دار "رياض الريس للنشر" 2004.
"ابعد من الحرب"، "دار الآداب"، 1993.
"وأبعد من السلام"، "دار الفارابي"، 1997.
"الارهاب بين السلام والاسلام"، "دار الفارابي"، 2002.
"أعشاب الصيف"، دار مجلة "شعر"، 1961.
"السيف وبرج العذراء"، دار مجلة "شعر"، 1963.
"الموت الأول"، "مؤسسة بدران"، 1973.
"عاشقات بيروت الستينات"، "دار رياض الريس للنشر"، 2000.
"قصائد ورسائل حب"، بول ايلوار، "دار الفارابي"، 2003.
"ماركس في اميركا"، هوارد زن، "دار الفارابي"، 2004.
كان الفقير عبداً بالنسبة اليه، ويستمر عبداً حتى يحرره المال، فيصبح سيداً.
وقد أمضى حياته مناضلاً ضد الأسياد الذين استعبدوه بمالهم.
كان الحظ أوفى خلاّنه، فرافقه وصادقه، فكرّس له جزءاً مهماً من وقته.
كفر بالسياسة والعقائد. وأكثر ما كفّره عقائد اليسار التي لم تحمه من غدر صائدي الضحايا على الهوية.
كان عصامياً. صديقه صديق.
ادمون صعب
حسناً فعل عصام محفوظ.
.
عصام محفوظ هو الآن في عهد الموت الثاني. ويستحق ان ننحني له
جمانة حداد
هــــذه الـصــــفـــحــــة تــــــديــــن لـــــه بــــالـكــــــثـــيـر
عندما يموت أحد كبارنا، نهرع جميعنا، كباراً وجدداً، الى أعماله ومآثره وأفضاله، لنتذكرها ونحيّيها، لأننا لا نملك سوى أن نكون أوفياء للذين صنعوا لنا جزءاً حيوياً وحاراً من ذاكرتنا الأدبية والثقافية. فكيف إذا كان هذا الموت يطاول، اليوم، عصام محفوظ، الشاعر والكاتب والناقد والمسرحي والمترجم، بل والمثقف والمناضل النهضوي، الفكري والسياسي، الذي ترك على أرض هذه الصفحة الثقافية بالذات، نباتاً وأزهاراً وأشجاراً خضراء ووارفة، كثيفة وعالية وبعيدة، الى حدود الأفق والسماء.
أمس غاب الجسد العليل، جسد عصام محفوظ، بعد صراع طويل مع المرض، وعزلة مرة. وفي غيابه تحضر مؤلفاته المطبوعة كتباً، وتلك التي أغنت خصوصاً صفحتنا الثقافية في "النهار"، مدى سنوات وعقود، لتشهد لفاعليته النيّرة ومساهمته الأساسية في جعل بيروت مختبراً جوهرياً للخلق الأدبي، وعاصمة للسؤال العربي الجريء والمغاير والمختلف، ومنبراً طليعياً للمناقشة حول معنى الثقافة والحرية والعلمانية في عصر التحولات والهزائم والتطلعات الكبرى. نلتقي حول عصام محفوظ لنكرّم الطريق الذي شقّه، ولنلقي الضوء على مكانته الجمة في استحضار العلاقة الديناميكية بين كنوز التراث وقضايا النهضة واختبارات الحداثة، وبين المحلي والعربي والعالمي، ولنؤكد مرةً أخرى أن ما نفعله اليوم يدين بالكثير لما فعله عصام محفوظ ورفاقه في حركة التغيير الأدبي والثقافي. بل لنؤكد أيضاً أن لا خلاص لهذه البلاد اللبنانية، وللبلدان العربية جمعاء، إلاّ بالثقافة، وخصوصاً إذا كانت ثقافة فردية وجماعية، متنوعة، وأولاً حرة
سمير عطاالله
كان شقياً الشقاء المحزن والانفرادي، حائر النفس ومظلوماً بذاته، يحبّها ويكرهها، يعشقها ويلعنها، يقدمها الى الآخرين نفساً مضطهدة خائفة ومرتجفة، ثم ينسحب بها الى زاوية الابتعاد وحكم الحبس الذاتي الأبدي. اراد ان يكون كل شيء في الغابة السحرية، الشاعر والكاتب والمسرحي. وكان يغضب من نفسه فيريد ان لا يكون شيئا او احدا او كائنا.
رأى في نفسه رائداً من رواد المسرح، ومغيّرا بلغة الخشبة، ومخترعاً مبدعاً في اللغة الثالثة، اي تبسيط الفصحى ورفع العامية. وتوقع ان يكرّس بقية الحياة والعمل من اجل المسرح. فاذا بالحرب تطبق على بيروت، والمسرح ينهار ويغلق الابواب، واذا بالمسألة كلها في ايدي القوالين والجوالين والتروبادور. وأحزنه ذلك، فأقام قطيعة بينه وبين نفسه. وراح يتذكر الخشبة التي كانت، ويحنّ الى الخشبة التي لم تكن. وتاه وحيدا ومنفرداً وشقياً في ضيق نفسه وسعة ثقافته. وأصدر على نفسه باكراً الحكم الاقسى والعقوبة المريحة: ان يكون قارئاً مطلقاً من دون أن يتحمل مسؤولية الكتابة وعطوبها وكونها امتحاناً ازلياً على حافة نبع، يوماً يغرق بصاحبه ويوماً يجف به. جرّب عصبة "شعر" وتركها. أبدع في المسرح وتركه. وقرّر يائساً وبغير حق ان يكون عصبة نفسه ومجموعة ذاته. وخشي على نفسه من الاضطهاد فأمعن فيها اضطهاداً وانسحاباً الى داخلها حتى لم يبق منه خارجها شيئاً.
الأســــــرة تـــحـــــيّـــيـــك
حبيب صادق
...اخيراً، وبعد صراع محموم ومرير مع المحنة الصعبة الضارية التي اجتاحته، على حين فجأة، فتساقط جسده، تحت ثقلها، عضواً فعضواً حتى الرمق الاخير
.
غاب، اخيراً، وجه عصام محفوظ الذي بقي ساطعاً، متألقاً من حبر ابداعه زهاء خمسين من السنين. ولئن كان لكل حياة أجل، فان الصورة التي ارتسمت لنهاية عصام لم تكن تليق بمثله من افذاذ المبدعين في هذا البلد المزهو باشعاعه الثقافي ومقامه الحضاري! امس، ظهراً، كان رفيقي زائغ البصر حابس الانفاس امام وجع عصام الذابل وجسده المثقل بالأنابيب الطبية في غرفة العناية الفائقة في مستشفى حكومي. واليوم يجد رفيقي نفسه مهشّم الروح غائر العينين وهو يستعد للسير بجثمان عصام، مع اهله وأصحابه المتبقّين، الى مثواه الأخير. في موكب التشييع الحزين تسير، بخشوع، اسرة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ملوّحة بشارة الوداع الأخير تحية اجلال لأحد افرادها المقيمين في ضميرها وفي ذاكرة بيتها الثقافي الجنوبي.
رحل عصام محفوظ. الشاعر والمسرحي والناقد والمترجم والسياسي والحواري، المتعدد الإيقاع، الخصب العطاء، المتنوّر، التغييري، الملتزم من دون أطر جاهزة، والمناضل على هامش الضوضاء والشعارات، ابن مرجعيون، الذي استوطن بيروت في عزها وفي انحدارها، في تألقها وفي خرابها، واستوطنته بيروت.
رحل عصام محفوظ مكسور الخاطر، شأن كل الكبار، الذين رأوا الالتزام أبعد من طوائفهم ومناطقهم وعشائرهم وأعمق من الأفكار الجاهزة. رحل مكسور الجناح، هذا المثقف، الحي، القلق، الحر، المنقشع، الذي أعطى المسرح ما لم يُعط، كتابة ورؤيا، فأحدث الثورة الكبرى في كتابته، من "الزنزلخت" الى "لماذا" و"الدكتاتور" و"القتل"... لمع رائداً أول في الكتابة المسرحية، ورحل رائداً أول في الحرية، وفي الفكر المنعتق من النهائيات والمطلقات. ولهذا، لم يكن لهذا الكبير، لهذا الصديق الكبير، لا الحيّز بين المتصارعين وأفرقاء الحروب العبثية، والطائفية، ولا الحيّز بين الوجاهات والصالونات والاستكانة الى الواقع
.
لكن أهي غصة في القلب، يا عصام! أن ترحل هكذا وحيداً، حتى من دون أن نكون قربك؟ لكن أهي غصة يا عصام، أن أتلقى خبر نعيك، وكأني غريب عنك، أنا الذي رافقك عقوداً، بين الشارع، والمقهى، والكتاب، والبيت، والمسرح، والشعر، والنقد؟ أهكذا، ولّيت الى حيث لم يستطع أحد من محبيك وأصدقائك، أن يدركك، ولا أحد من رفاق الدرب أن يرافقك في لحظاتك الأخيرة
ترحل، هذه المرة، مكسور الخاطر يا عصام، لكن ترحل وحيداً، كمن خلف كل شيء، لكي لا يرحل!
رحل عن 67 سنة وحيداً وفقيراً... عصام محفوظ شاعر حوّلته «الهزيمة» مسرحياً والحرب
اللبنانية صحافياً
حين كتب عصام محفوظ بعد النكسة بيانه - المانيفستو الشهير، «بيان مسرحي رقم واحد»، المنشور لاحقاً في مقدّمة مسرحيّته «الزنزلخت» (1969)، لم يكن يعرف ربّما أنّه يعلن الولادة الرسميّة للمؤلّف المسرحي الحديث في لبنان. وجاء صمت الشاعر، وانقطاعه عن الكتابة للمسرح، اعلاناً لاحتضار المسرح اللبناني كما عرفناه في سبعينات القرن الماضي... وها هو صاحب «أعشاب الصيف» (1961) و»الموت الأوّل» (1973)، بعد أن هجر الشعر من أجل المسرح، ثم تخاصم مع المسرح متحوّلاً الى التأريخ للذاكرة العربيّة المعاصرة، ها هو ينسحب بهدوء من المدينة، ويقلع ليس فقط عن الكتابة بل عن الحياة برمّتها... مضى عصام محفوظ نصف مشلول بعد سنوات العوز، وأشهر طويلة من المعاناة الصامتة، كاد يلفّه فيها النسيان لولا تعاطف حفنة أخيرة من الزملاء والأصدقاء. قبيلة في طريقها الى الانقراض المعلن، كما كان موت عصام معلناً، خافت على نفسها وهي تتضامن معه وتعلن غضبها لما آل إليه مصيره.
بعد الدراسة الثانوية في مرجعيون، حصل على دبلوم دراسات عليا معمقة من «معهد الدراسات العليا» في باريس.
عمل في الصحافة منذ العام 1959.
ساهم في حركة مجلة «شعر» (1958 - 1968).
رافق الحركة الثقافيّة اللبنانيّة والعربيّة والعالميّة، من خلال عمله ناقداً في جريدة «النهار» قرابة ثلاثة عقود (تركها سنة 1997).
انتسب الى الجامعة اللبنانية سنة 1970، أستاذاً لمادة التأليف المسرحي.
هاجر إلى باريس سنة 1976 بعيد اندلاع الحرب الأهليّة، وبقي فيها حتّى سنة 1981.
من أبرز مؤسسي الحركة المسرحية الحديثة في لبنان، منذ مطلع الستينات.
أعماله المسرحيّة: «الزنزلخت» (1969)، «القتل» (1969)، «كارت بلانش» (مع «محترف بيروت للمسرح» -1970)، «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟» (1971)، «الديكتاتور» (1971)، «قضية ضد الحرية» (1975)، «مسرحيات قصيرة» (1984)، «التعري» (مسرحية في صيغتين - 2001).
مجموعاته الشعريّة : «أشياء ميتة» (1959)، أعشاب الصيف» (1961)، «السيف وبرج العذراء» (1963)، «الموت الأول» (1973).
مؤلفاته وترجماته الأخرى: «دفتر الثقافة العربية الحديثة» (1973) «أراغون، الشاعر والقضية» (1974)، «مشاهدات ناقد عربي في باريس» (1981)، «سيناريو المسرح العربي في مئة عام» (1981)، «الرواية العربية الطليعية» (1982)، «جبران، صورة شخصية» (1982)، «لقاءات شخصية مع الثقافة الغربية» (1983)، «دفتر الثقافة اللبنانية» (1984)، «السريالية وتفاعلاتها العربية» (1987)، «حوار مع رواد النهضة العربية» (1989)، «جورج شحادة ملاك الشعر والمسرح» (1989)، «المسرح مستقبل العربية: ملف الجدل» (1991)، «أبعد من الحرب» (1992)، «مسرحي والمسرح» (1995)، «أبعد من السلام» (1997)، «مختارات من الشعراء الرواد في لبنان 1900 - 1950» (1998)، «عشرون روائياً عالمياً يتحدثون عن تجاربهم» (1998)، «لعنة زحل: جوزف بريستلي» (ترجمة 1998)، «الرواية العربية الشاهدة» (2000)، «حوار مع متمردي التراث» (2000)، «ماذا يبقى منهم للتاريخ» (2000)، «رامبو بالأحمر» (2001)، «شعراء القرن العشرين» (2001)، «مسرح القرن العشرين» (جزءان - 2002)، «عاشقات بيروت الستينيات» (2002)، «الارهاب بين السلام والإسلام» (2003)، «قصائد حب، تليها رسائل غالا - لبول إيلوار» (2003)، «مع الشيخ الأكبر ابن عربي» (2003)، «حوار مع الملحدين في التراث» (2004)، «سجالات القرن العشرين الفكرية السياسية» (2004)، «بعض اساتذتنا في القرن العشرين» (2006)، «رحلات ثقافية في سبعينيات القرن الماضي (2006).
سكت القلم والقلب الكبير
مرجعيون – من رونيت ضاهر:
ودعت جديدة مرجعيون ابنها عصام محفوظ (67 عاما) في مأتم أقيم في كاتدرائية مار بطرس للروم الكاثوليك، وأقام الصلاة لراحة نفسه الارشمندريت سمير الخوري يعاونه عدد من الكهنة. وحضر مدير الكونسرفاتوار الوطني وليد غلمية ورئيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق وعدد من الممثلين عن الجمعيات الثقافية الوطنية والعربية وجمع من ابناء البلدة.
كامل جابر
خالدة سعيد - الحياة - 05/02/06
أنسي الحاج - الحياة
- 05/02/06